في فصل «ظروف التصميم الداخلي» من «دليل أحمال التبريد لإمارة أبوظبي»، الذي أعدّته دائرة الطاقة بالتعاون مع دائرة البلديات والنقل وتحمل نسخته الأصلية تاريخ مايو 2026، جملة هندسية هادئة تستحق أن تُقرأ مرتين. يقول الدليل إن ظروف التصميم الداخلي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالراحة الحرارية لشاغلي المبنى، «وهي راحةٌ تتأثر كذلك بطبيعة الملبس، ومستويات النشاط، والسن، والجنس». وبعد سطور قليلة يقرّ بأن توحيد درجة الحرارة والرطوبة وسرعة الهواء لشاغلي المبنى جميعهم أمر متعذر عمليًا.
وفي دبي ظهر رقم واحد في إرشادين لهيئة كهرباء ومياه دبي صدرا في العام نفسه: 24. في نصائح للمنازل نشرها المكتب الإعلامي لحكومة دبي في أبريل 2020، دعت هيئة كهرباء ومياه دبي إلى إبقاء منظم الحرارة على 24 درجة مئوية أو أعلى، وذكرت أن كل درجة ترتفع بها نقطة الضبط قد توفر ما يصل إلى 5% من استهلاك التكييف. وحين أعلنت الهيئة في سبتمبر 2020 اختتام حملة «لنجعل هذا الصيف أخضر»، كان ضبط المكيف على 24 درجة من بين إرشاداتها، وكانت الحملة قد نظمت ورش عمل للقطاعات الحكومية والخاصة والصناعية والتجارية.
الرقمان يتحدثان لغة الطاقة، والسؤال الذي يعنيني هنا مختلف: لماذا تشكو النساء البرد في مكاتب مكيّفة، في بلد يُضبط فيه المكيّف أصلًا لمواجهة الحرّ؟ وقراءتي، مستندةً إلى الدراسات التي سأعرضها، أن جزءًا من هذا البرد مسألة جغرافيا داخل الطابق: المكتب الواقع في العمق الداخلي أو تحت مخرج الهواء لا يعيش المناخ الذي يعيشه مكتب بجوار الواجهة، وقد لا يملك من يجلس إليه وسيلة لتعديل ركنه.
في تجارب المعايير لا يتجاوز الفارق بين الجنسين نصف درجة
في عام 2015 نشر الباحثان بوريس كينغما وفاوتر فان ماركن ليختنبلت، من جامعة ماستريخت، مقالًا في مجلة Nature Climate Change. كتبا أن لوائح المناخ الداخلي تستند إلى نموذج للراحة الحرارية وُضع في ستينيات القرن الماضي، وأن القيم المعيارية لأحد متغيراته الرئيسية، وهو معدل الأيض، مبنية على رجل متوسط، وقد تبالغ في تقدير أيض المرأة بما يصل إلى 35%. والدراسة التي يحيل إليها المقال في هذا الرقم، لبيرن وزملائه عام 2005، تذكّر بأن قيمة «المكافئ الأيضي» استُخرجت أول مرة من استهلاك الأكسجين أثناء الراحة لشخص واحد: رجل في الأربعين يزن سبعين كيلوغرامًا. غير أن قياسات كينغما وزميله شملت ست عشرة امرأة يؤدين عملًا وهنّ جالسات، دون أي مجموعة من الرجال للمقارنة، وهذا ما اعترض عليه في العام نفسه بيارنه أولسن، أستاذ في الجامعة التقنية الدنماركية، على صفحات REHVA Journal.
يعود أولسن إلى التجارب التي بُنيت عليها المعايير الدولية للراحة الحرارية، ومنها ISO 7730 وASHRAE 55. شارك فيها رجال ونساء بأعداد متساوية، بالملابس نفسها والنشاط نفسه وهم جالسون. وفي تجارب نيفنز (1966) وفانغر مجتمعةً، فضّل 488 رجلًا في المتوسط 25.4 درجة مئوية، وفضّلت 488 امرأة 25.8 درجة؛ وفي دراسة فانغر ولانغكيلده عام 1975 جاء الرقمان 25.0 و25.1. أما الفروق التي تظهر في المكاتب المكيّفة صيفًا فيردّها أولسن في أغلب الحالات إلى الملبس: النساء يكيّفن ملابسهن مع الصيف، والرجال ما زالوا في البدلة وربطة العنق، كما يكتب.
وجاءت مراجعة للأدبيات من سامي كارياليانن، من مركز البحوث التقنية الفنلندي VTT، في مجلة Indoor Air عام 2012. معظم الدراسات التي راجعها لم تجد فرقًا ذا دلالة بين الجنسين في درجة الحرارة المحايدة، أي تلك التي لا يُشعَر عندها بحرّ ولا ببرد. ومع ذلك وجد ما يزيد بوضوح على نصف الدراسات المخبرية والميدانية أن النساء يُبدين عدم رضا أكثر من الرجال في البيئة الحرارية نفسها، وقدّر أن احتمال أن تعلن امرأة عدم رضاها عن المناخ يبلغ 1.74 ضعف احتماله لدى الرجل. والنساء، بحسب المراجعة، أكثر حساسية من الرجال للابتعاد عن درجة الحرارة المثلى، ولا سيما في الظروف الأبرد، وحاجتهن في المتوسط إلى التحكم الفردي في الحرارة وإلى التكيّف أكبر.
في هذه الأرقام لا تكاد الدرجة المفضّلة تفرّق بين امرأة ورجل. ما يفرّق بينهما هو احتمال الشكوى حين يبتعد الهواء عن تلك الدرجة.
دليل أبوظبي يرسم أين يتجمّع البرد
وهنا يقترب الدليل الهندسي من عمل من يؤثث مكتبًا. يقارن الدليل بين تقسيم صحيح وآخر خاطئ للمناطق الحرارية. في التقسيم الخاطئ يُعتمد مجرى إمداد واحد ومنظم حرارة واحد في منطقة مركزية تكون عادةً أكثر برودة، وجهاز استشعار مثبت عند الجدار الخلفي لا يعكس اختلاف الظروف عبر المساحة؛ فترتفع الحرارة في المناطق المعرضة للشمس، ويحدث تبريد مفرط في الوسط، وتتزايد الشكاوى الحرارية في أنحاء مختلفة من المكان. منظم الحرارة في هذا التقسيم يقرأ جدارًا واحدًا، والناس يجلسون في الطابق كله.
ويقترح الدليل على المصممين تدابير محددة: ضبط حراري مستقل في كل غرفة مع وضع أجهزة الاستشعار في مواقعها الصحيحة، وتحكم متعدد المناطق في المساحات المفتوحة التي تتجاوز 40 مترًا مربعًا، ولا سيما إذا اختلفت اتجاهات واجهاتها، وتحكم مستقل في المناطق الطرفية للمساحات المفتوحة والغرف الواسعة التي يتجاوز عمقها 5 أمتار. ويتوقف عند حركة الهواء: السرعة المنتظمة بين 0.1 و0.25 متر في الثانية داخل المنطقة المأهولة هي المثلى، وما يتجاوز 0.25 قد يولّد تيارات هوائية مزعجة، ولذلك يطلب أن تبقى هذه السرعة محصورة في المنطقة التي تعلو الحيز المأهول.
وفيه ملاحظة سلوكية دقيقة. نظام التحكم القائم على التشغيل والإيقاف، الشائع في المنطقة، يترك حرارة الغرفة تتأرجح حول نقطة الضبط بنحو 0.5 إلى 1.0 درجة، فقد يخفض الشاغلون نقطة الضبط احتياطًا حتى لا تتجاوز الحرارة الفعلية ما يريدون، ويُهدر ذلك الطاقة. ولهذا يوصي الدليل بأنظمة التحكم المتغير في الأنظمة الجديدة والمحدّثة. وأقرأ في هذه الملاحظة أن منظمًا واحدًا لطابق كامل قد يجعل احتياط شخص واحد من الحرّ رقمًا يعيشه الجميع.
أين يُوضع المكتب، ومن يملك التعديل
مخارج الهواء يرسمها مهندس التكييف على مخطط، ومواضع المكاتب تُرسم على مخطط آخر. وحين تُرتّب طاولات كمبيوتر لفريق كامل، يستحق موضعها من مخارج الهواء ومن حدود المناطق الحرارية أن يُحسم في الجلسة التي يُختار فيها الطراز، مع مصمم التكييف ومخططه على الطاولة. ويعدّد المعيار الدولي ISO 7730، كما تلخصه مصادر السلامة المهنية، أربعة أسباب للانزعاج الموضعي: التيارات الهوائية، والفرق في الحرارة بين الرأس والكاحلين، والأرضية الشديدة الحرارة أو البرودة، وعدم تماثل الحرارة الإشعاعية بين جانبي الجسد.
والمسألة الثانية هي التحكم. تذكر مراجعة كارياليانن أن حاجة النساء في المتوسط إلى التحكم الفردي في الحرارة أكبر، ودليل أبوظبي يدعو إلى تحكم مستقل في المناطق الطرفية وإلى تعدد المناطق في المساحات الكبيرة. ومن هنا يستطيع تخطيطٌ مدروس لـالفضاء المفتوح ومحطات العمل أن يترك مواضع أبعد عن تيار الهواء وأخرى أقرب إليه، وأن يمنح كل شخص حرية اختيار المكان الذي يعمل فيه بدل التنازع على رقم واحد.
وفي برلين قاس توم تشانغ وأغنه كاياتسكايته أثر الحرارة على الأداء، في تجربة نشراها عام 2019 في PLOS ONE. شارك فيها 543 طالبًا، في مختبر تغيّرت حرارته من جلسة إلى أخرى بين 16 و33 درجة تقريبًا. في الحرارة الأعلى أدّت النساء أفضل في مسائل الرياضيات والمهام اللفظية، وجاء أثر معاكس لدى الرجال: ارتبطت كل درجة إضافية بزيادة قدرها 1.76% في عدد الإجابات الصحيحة للنساء في الرياضيات، في حين كان تراجع الرجال صغيرًا وغير ذي دلالة إحصائية. ويعزو الباحثان التحسن جزئيًا إلى جهد أكبر، إذ قدّمت النساء إجابات أكثر دون أن ترتفع نسبة أخطائهن، ولم تؤثر الحرارة في اختبار التفكير التأملي. كانت الجلسة تدوم ساعة في المتوسط، في مختبر، والقياس لحرارة الغرفة كلها لا لموضع مكتب فيها؛ وبين ذلك ويوم عمل كامل في مكتب مسافة ينبغي احترامها. ويبقى نفع لا تقيسه أي من هذه الدراسات: أن يكفّ التكييف عن أن يكون موضوع تفاوض بين الزملاء.
خمس نقاط على المخطط قبل تثبيت المحطات
العمق الداخلي. في التقسيم غير الصحيح للمناطق يحدث التبريد المفرط في الوسط (دليل أحمال التبريد لإمارة أبوظبي، 2026).
مساحة مفتوحة تتجاوز 40 مترًا مربعًا. يقترح الدليل لها أنظمة تحكم متعددة المناطق، ولا سيما إذا اختلفت اتجاهات واجهاتها.
عمق يتجاوز 5 أمتار. تحكم حراري مستقل في المنطقة الطرفية المجاورة للواجهة.
أكثر من 0.25 متر في الثانية. السرعة التي قد تبدأ عندها التيارات الهوائية المزعجة داخل المنطقة المأهولة.
من 0.5 إلى 1.0 درجة. تأرجح الحرارة حول نقطة الضبط في نظام التشغيل والإيقاف، وهو ما قد يدفع الشاغلين إلى خفضها احتياطًا.
وبجوار هذه الأرقام الخمسة يحسن أن يبقى في الذهن رقمان من الدراسات: 25.4 و25.8 درجة، وهما ما فضّله الرجال والنساء في المختبر بالملابس والنشاط نفسيهما؛ و1.74، وهي نسبة احتمال أن تعلن امرأة عدم رضاها عن المناخ إلى احتماله لدى الرجل.
قبل أن يُعتمد مخطط توزيع المكاتب في أي مقرّ في أبوظبي أو دبي، أقترح أن يوضع فوق مخطط مناطق التكييف وأن يُقرأ الاثنان معًا، مكتبًا مكتبًا. فما يُقرَّر في ذلك اليوم يبقى ما بقي المكتب في مكانه.
إجابات سريعة
لماذا تشكو النساء من برودة المكتب أكثر من الرجال؟
لم تجد معظم الدراسات فرقًا ذا دلالة بين الجنسين في درجة الحرارة المحايدة، لكن النساء أكثر حساسية للابتعاد عن الحرارة المثلى، ولا سيما في الظروف الأبرد، واحتمال إعلانهن عدم الرضا عن المناخ يبلغ 1.74 ضعف احتماله لدى الرجال (كارياليانن، Indoor Air، 2012). ويرى كينغما وفان ماركن ليختنبلت (Nature Climate Change، 2015) أن القيم المعيارية للأيض، المبنية على رجل متوسط، قد تبالغ في تقدير أيض المرأة بما يصل إلى 35%.
على كم درجة تنصح هيئة كهرباء ومياه دبي بضبط المكيف؟
في نصائح للمنازل نشرها المكتب الإعلامي لحكومة دبي عام 2020، نصحت الهيئة بإبقاء منظم الحرارة على 24 درجة مئوية أو أعلى، وذكرت أن كل درجة إضافية في نقطة الضبط قد توفر ما يصل إلى 5% من استهلاك التكييف. والتوصية مبنية على ترشيد الطاقة.
ماذا يقول دليل أحمال التبريد في أبوظبي عن الراحة الحرارية؟
يقول الدليل، الصادر عن دائرة الطاقة في أبوظبي (النسخة الأصلية مؤرخة في مايو 2026)، إن الراحة الحرارية تتأثر بالملبس ومستوى النشاط والسن والجنس، وإن توحيد الحرارة والرطوبة وسرعة الهواء لجميع الشاغلين متعذر عمليًا. ويقترح تحكمًا متعدد المناطق في المساحات المفتوحة التي تتجاوز 40 مترًا مربعًا، وتحكمًا مستقلًا في المناطق الطرفية للمساحات التي يتجاوز عمقها 5 أمتار.
أين توضع المكاتب في مكتب مكيّف لتقليل الشعور بالبرد؟
يُقرأ مخطط توزيع المكاتب مع مخطط مناطق التكييف قبل التثبيت: تُتجنب المواضع التي تصلها سرعة هواء تتجاوز 0.25 متر في الثانية، ويُنتبه إلى العمق الداخلي الذي قد يصيبه تبريد مفرط إذا كان التقسيم غير صحيح، وتُترك في المساحات الكبيرة مناطق بمناخات مختلفة يختار منها كل شخص.