في عام 2015 أدرجت اليونسكو في قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي عنصراً تقدّمت به معاً الإمارات والسعودية وعُمان وقطر. كان ذلك العنصر غرفة: المجلس. تصفه صفحة اليونسكو بأنه «مكان للجلوس» يلتقي فيه أبناء المجتمع ليتداولوا شؤونهم المحلية ويتبادلوا الأخبار ويستقبلوا الضيوف، وتضيف أنه في الغالب فضاء واسع، السجاد على أرضه والوسائد مسنودة إلى جدرانه. أكثر ما استوقفني في هذا الوصف أن الغرفة تُعرَّف فيه بما يجري داخلها قبل ما يُوضع فيها.
من هذه الصفحة أحب أن أبدأ الحديث عن مكتب من يتخذ القرار في الخليج. أرقام التجارة الدولية تقول إن العالم يشتري الجزء الأكبر من أثاث مكاتبه من بلدان أخرى، أما الرسائل التي تصل إلى مواقعنا من خارج إيطاليا فتقول إن ما يُطلب منّا غرفة واحدة في الأساس، تلك التي يُنتظر من أثاثها أن يقول من يشغلها. في الخليج تصحّ هذه الفكرة بصيغة خاصة: الصين تبقى المورّد الأول بفارق واسع، لكن إيطاليا تأتي بعدها مباشرة في الأثاث الخشبي، في الإمارات كما في السعودية، في مرتبة بعيدة كل البعد عن موقعها في السوق الأمريكية. وأطرح هنا فرضية للنقاش: من نشأ على ثقافة المجلس يعرف أن الغرفة تُقرأ، فيطلب ذلك من البلد الذي أعطى غرفة الدرس والتأمل اسماً خاصاً في القرن الخامس عشر.
إيطاليا في الخليج ليست مورّداً هامشياً
بحسب بيانات UN Comtrade لعام 2023، استوردت الإمارات أثاث مكاتب خشبياً بقيمة 73.4 مليون دولار أمريكي، منها 29.8 مليون من الصين و10.4 مليون من إيطاليا، ثم بولندا وماليزيا بعدهما. في الأثاث المكتبي المعدني جاءت إيطاليا ثالثة، بعد الصين والمملكة المتحدة. وفي السعودية، في العام نفسه، بلغت واردات الأثاث المكتبي الخشبي 124.6 مليون دولار: 64.9 مليون من الصين، ثم 11 مليوناً من إيطاليا قبل الولايات المتحدة، وفي المعدني كانت إيطاليا الثانية أيضاً بعد الصين.
ولكي تتضح قيمة هذه المرتبة لا بد من النظر إلى الصورة الأوسع، وأضعها في الأسطر التي تختم هذا القسم. يكفي هنا أن الصين تورّد وحدها، في البند الخشبي، نحو خُمسَي الواردات الإماراتية وأكثر من نصف الواردات السعودية، بحسب حسابي على الأرقام نفسها. ويبقى أن البندين الجمركيين لا يغطيان إلا أثاث المكاتب المصنوع من الخشب ومن المعدن، ولا يميّزان مكتب المدير عن طاولة الموظف، فما يقيسانه هو حضور إيطاليا في المكتب عموماً.
الحصة الأكبر من الحجم إذن ما زالت صينية. غير أن إيطاليا هنا جزء ثابت من المشهد.
حصة إيطاليا من واردات أثاث المكاتب الخشبي، 2023 (حسابي على UN Comtrade)
الإمارات: نحو 14٪ (الثانية بعد الصين)
السعودية: نحو 9٪ (الثانية بعد الصين)
الولايات المتحدة: نحو 2٪ (السادسة)
وترتيبها بين الدول المصدّرة لأثاث المكاتب الخشبي في العالم: الخامسة
ما تقوله طلبات lamercanti.ae
منذ صيف 2019 وحتى مايو 2026 وصلت عبر نموذج الموقع lamercanti.ae ثلاث وستون رسالة. انطلقت من سبع وأربعين صفحة مختلفة، ولم تجمع أي صفحة منها أكثر من أربع رسائل. العدد أصغر من أن تُستخرج منه نسب يُعتدّ بها، فأكتفي بقراءته كما هو.
المقارنة مع موقع آخر تجعل الصورة أوضح. على lamercanti.us، من أصل 1,142 رسالة، كانت 72.5٪ تخص مكتباً تنفيذياً. وإذا جمعنا الطلبات الواردة من خارج إيطاليا إلى مواقعنا كلها وسمّت فئة محددة من الكتالوج، وعددها 3,028، نجد أن المكتب التنفيذي وحده يمثل 42.6٪ منها، وأن المكاتب بأنواعها تبلغ 74.2٪. أما صفحات lamercanti.ae التي انطلقت منها الرسائل فتتوزع على فئات مختلفة، من المكاتب التنفيذية والكراسي إلى طاولات الاجتماعات والقواطع وحتى الخلاطات. هذه قراءتي لأرقام صغيرة، وهي قراءة تعيدني إلى المجلس، حيث يُعرَّف المكان بالحياة التي تدور فيه.
غرفتان تحكيان عن صاحبهما
في إيطاليا القرن الخامس عشر خُصصت في كثير من البيوت والقصور غرفة للدرس والتأمل، وحملت اسماً إيطالياً هو الستوديولو (studiolo). ويشرح المقال المخصص له ضمن موارد عصر النهضة التي أُعدّت بالتعاون مع المتحف الوطني للفنون في واشنطن أن امتلاك هذه الغرفة كان إعلاناً عن صاحبها بوصفه صاحب علم وثقافة. في أوربينو، في إقليم ماركي حيث نعمل، يبقى الستوديولو الذي أقامه فيديريكو دا مونتيفلترو في القصر الدوقي. وحين أُعيد افتتاحه للجمهور في 30 مايو 2025، وصفته مجلة Artribune بأنه أكثر الأماكن خصوصية في جناح فيديريكو وأكثرها تعبيراً عن صورته العامة في آن واحد، وعلى جدرانه صور ثمانٍ وعشرين شخصية من العالم القديم والعصور الوسطى. وله ستوديولو آخر، من قصره في غوبيو، انتقل عام 1939 إلى مجموعة متحف المتروبوليتان في نيويورك.
المجلس مفتوح لكثيرين، والستوديولو كان لرجل واحد. ومع ذلك يجمعهما، في قراءتي، أن الغرفة في كليهما تقول شيئاً عمّن يشغلها. تذكر صفحة اليونسكو أن الشباب يتعلمون في المجلس آداب مجتمعهم وحسن الحوار والإصغاء واحترام رأي الآخر، بمراقبة كبار السن. أما في الستوديولو فكانت الغرفة نفسها، كما رأينا، إعلاناً عن ثقافة صاحبها.
ما يقرؤه زائر في مكتبك يقرؤه الذي يليه أيضاً
في عام 2002 نشر صموئيل غوسلينغ وثلاثة من زملائه في مجلة Journal of Personality and Social Psychology دراسة بعنوان A room with a cue. طُلب من مراقبين لا يعرفون أصحاب المكاتب وغرف النوم أن يتأملوها وأن يصفوا شخصية من يسكنها. جاءت انطباعات المراقبين، وكل منهم يعمل منفرداً، متشابهة فيما بينها، وأظهرت قدراً من الدقة، واستندت إلى مؤشرات جديرة بالثقة موجودة في الغرف نفسها.
لمن يجلس خلف المكتب، معنى ذلك عملي تماماً: للغرفة صوت ثابت، وكل من يدخلها يخرج بفكرة قريبة من فكرة من دخل قبله. هذا الصوت يمكن تركه للمصادفة، ويمكن اختياره. وحين يجمع المكتب الواحد ساعات العمل المركّز وساعات الاستقبال، عليه أن يخدم الاثنتين: أن يترك لصاحبه صفاءً يفكر فيه، وأن يمنح الضيف إحساساً واضحاً بالمكان الذي دخله وبمن يستقبله.
قبل المقاس، قرار واحد
النصيحة التي أقدمها لمن يؤثث غرفة القرار في دبي أو الرياض أو أبوظبي بسيطة: قرّروا أولاً ماذا ينبغي أن تقول الغرفة، ثم اختاروا القطع. قد يبدأ ذلك من مكاتب تنفيذية يختارها المرء لخاماتها ولحضورها في الغرفة، لكنه لا ينتهي عندها. فالجلسة التي يُستقبل فيها الضيف، وأراها امتداداً لروح المجلس، تستحق العناية نفسها، ولهذا أنصح بالنظر إلى أرائك مكتبية ولاونج في الوقت ذاته الذي يُختار فيه المكتب، لا بعده. أما المفاضلة بين الطابع العصري والتصميمي والمعاصر والكلاسيكي، فقد تناولها أنطونيو كونسورتي بالتفصيل في مقالة عن اختيار مكتب المدير بين العائلات الأربع.
في المجلس، كما تقول اليونسكو، يتعلم الشباب بالمراقبة. ومكتب من يقرر يعلّم هو أيضاً كل من يدخله وينظر. فاختاروه وأنتم تعرفون أنه سيُراقَب.
إجابات سريعة
ما موقع إيطاليا بين مورّدي أثاث المكاتب إلى الإمارات؟
بحسب UN Comtrade لعام 2023، إيطاليا ثاني مورّد للإمارات في أثاث المكاتب الخشبي بعد الصين، وثالث مورّد في الأثاث المكتبي المعدني بعد الصين والمملكة المتحدة.
وما موقعها في السعودية؟
في العام نفسه كانت إيطاليا ثاني مورّد للسعودية بعد الصين، في أثاث المكاتب الخشبي والمعدني كليهما.
هل تُصنع المكاتب التنفيذية في إيطاليا في الغالب؟
لا توجد إحصاءات تقيس ذلك، لأن البنود الجمركية لا تفصل المكتب التنفيذي عن بقية أثاث المكاتب.
ما المجلس بحسب اليونسكو؟
عنصر أُدرج عام 2015 في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بترشيح من الإمارات والسعودية وعُمان وقطر: مكان للجلوس يلتقي فيه الناس لمناقشة شؤونهم وتبادل الأخبار واستقبال الضيوف.
ما الستوديولو؟
غرفة للدرس والتأمل انتشرت في بيوت عصر النهضة الإيطالي وقصوره في القرن الخامس عشر، وكان امتلاكها إعلاناً عن صاحبها بوصفه صاحب ثقافة. ومنها ستوديولو فيديريكو دا مونتيفلترو في القصر الدوقي في أوربينو.
هل يدل المكتب حقاً على صاحبه؟
أظهرت دراسة غوسلينغ وزملائه عام 2002 أن مراقبين لا يعرفون أصحاب المكاتب كوّنوا عنهم انطباعات متشابهة، بقدر من الدقة، استناداً إلى مؤشرات جديرة بالثقة في الغرفة.