في قصر الوطن بأبوظبي صالة واسعة مستديرة اختير لها اسم علاقة: «روح التعاون». يقول موقع القصر إنها المكان الذي تجتمع فيه هيئات اتحادية وإقليمية «للتعبير عن الطموحات ووضع جداول الأعمال»، ويذكر أن القاعة، بثرياها وتصميمها، «ترمز إلى التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بالمساواة وحركة التنوير». فُتحت للجمهور عام 2019، والمعنى هنا لا يستنتجه الزائر: المؤسسة نفسها هي التي تعلنه.
في السابع والعشرين من أكتوبر يفتح ORGATEC أبوابه في كولونيا، وأنا ذاهب إليه. شعار هذه الدورة «From rooms to relationships: designing spaces in an ever-changing world»، أي من الغرف إلى العلاقات، في تصميم فضاءات لعالم لا يكفّ عن التغيّر. ويشرح المنظّم أن الموضوع يركّز على البعد الإنساني، فيبحث في الطريقة التي يرتبط بها الناس بعضهم ببعض في بيئات العمل وفي مشاريع التجهيز التعاقدية، وفي كيفية تعاملهم مع التغيّر المستمر.
قاعة أبوظبي تدعو إلى قراءة الشعار من طرفه الآخر. الغرفة علاقةٌ قبل أن يدخلها أحد: موضع المقعد حول الطاولة، والمسافة التي تفصل مكتباً عن آخر، يوجّهان سلفاً الطريقة التي سيتحدث بها الناس فيها. هذا السطر هو ما أحمله معي إلى كولونيا.
الرمز يعلنه المكان، أما المقعد فتفضيل يمكن قياسه
بين ما يقوله موقع القصر عن قاعة «روح التعاون» وما يمكن قياسه مسافة يحسن احترامها. أما تفضيلات الجلوس فقد جمعها روبرت سومر في دراسة نشرها عام 1965 في مجلة Sociometry بعنوان Further Studies of Small Group Ecology. استعان سومر باستبيانات ورقية ليعرف كيف يفضّل الناس الجلوس بحسب ما يجمعهم، وجاءت النتيجة بوجه عام على هذا النحو: المجموعات التي تتحادث بلا غاية محددة فضّلت مقاعد الزاوية، والمتعاونة فضّلت الجلوس جنباً إلى جنب، ومن يعمل كلٌّ منهم على شأنه فضّل مقاعد متباعدة، أما المتنافسون ففضّلوا المقاعد المتقابلة. وفي الدراسة نفسها رُوقبت أزواج من الطلاب في مقصف يُشجَّع فيه الحديث وفي مكتبة لا يُشجَّع فيها، فاختارت الأزواج في المقصف أن تجلس متقابلة، واختارت في المكتبة مقاعد متباعدة. ويناقش سومر دور تبادل النظر في تنظيم هذه الأوضاع.
في المقصف جلست الأزواج متقابلة، وفي الاستبيانات كان المقعد المقابل تفضيل المتنافسين: المقعد الواحد يحتمل أكثر من قراءة. لذلك أرى أن أول ما يُسأل أمام طاولات اجتماعات هو من سيجلس قبالة من، وأن الجواب يبقى لصاحب الدعوة، فهو وحده يعرف الحديث الذي يريده.
في منظمات البحث والتطوير التي درسها ألن، يتراجع احتمال الحديث الأسبوعي مع المسافة
القاعة الكبرى تصلح للقاء المقرّر، يأتي إليه الناس عن قصد. أما الحديث الذي يتكرر كل أسبوع بين زميلين فشأن آخر، وقد درسه توماس ج. ألن في مؤسسات البحث والتطوير. في عام 2007 نشر مع غونتر هِن كتاب The Organization and Architecture of Innovation، وفيه رسم بياني يبيّن من جديد احتمال التواصل وهو يتناقص كلما زادت المسافة. أصل ذلك في كتابه Managing the Flow of Technology (MIT Press، 1977)، حيث تتبّع انتقال المعلومات التقنية داخل هذه المؤسسات وقاس احتمال أن يتواصل شخصان مرة في الأسبوع بحسب المسافة بين موقعي عملهما. ويكتب أن تراجع هذا الاحتمال مع المسافة لن يفاجئ أحداً على الأرجح، وأن المفاجئ هو المعدّل الفعلي لتراجعه.
أستخلص من ذلك قاعدة لكل مقر جديد، مع التذكير بأن ألن درس بيئات البحث والتطوير وأن نقل ما وجده إلى المكاتب عامة اجتهاد مني. الفرق التي يحتاج أفرادها إلى الحديث كل أسبوع تُرسم متجاورة قبل أي شيء آخر على المخطط، ثم يُختار لـأثاث مساحات العمل التعاونية موضع بينها، على بعد خطوات من مكاتبها.
أمام المكتب التنفيذي، المسافة تختار نبرة الحديث
يبقى الضيف. في كتاب The Hidden Dimension الصادر عام 1966 يصف إدوارد ت. هول المسافات التي يحتفظ بها الناس فيما بينهم. إحداها المسافة الاجتماعية، ويمتد طورها البعيد من سبعة أقدام إلى اثني عشر قدماً، أي بين 2.1 و3.7 متر تقريباً. ويكتب أن الحديث في شؤون العمل والشؤون الاجتماعية حين يجري عند هذا الطرف البعيد يكتسب طابعاً أكثر رسمية مما لو جرى داخل الطور القريب، وأن طاولات المكاتب في غرف الشخصيات المهمة كبيرة بما يكفي لإبقاء الزائر عند هذه المسافة. بل إن الكرسي المقابل، حتى مع طاولة مكتب بمقاس قياسي، يقع على بعد ثمانية أقدام أو تسعة ممن يجلس خلفها، أي بين 2.4 و2.7 متر.
على ما أفهم من هول، يُحسم موضع الضيف يوم تُختار طاولة المكتب، فكل ما يضاف إلى عمقها يضاف إلى المسافة بينه وبين صاحبها. لقاءات المراسم تحتاج إلى هذه المسافة. أما من يستقبل كثيراً شركاء يريد أن يقترب منهم، فليعلم أن عمق الطاولة التي يختارها اليوم سيجلس بينه وبينهم في كل لقاء قادم.
من العلاقة إلى المسافة
أقترح أن يُقرأ ما سبق في الاتجاه المعاكس للشعار: من العلاقة المطلوبة إلى الترتيب الذي يخدمها.
لقاء رسمي أمام مكتب. كرسي الضيف بين 2.4 و2.7 متر ممن يجلس خلف طاولة مكتب قياسية، في الطور البعيد من المسافة الاجتماعية، حيث يكتسب الحديث طابعاً أكثر رسمية (هول، 1966).
عمل مشترك على ملف واحد. مقعدان متجاوران: هكذا فضّلت المجموعات المتعاونة الجلوس في استبيانات سومر (1965).
حديث حرّ بلا جدول أعمال. مقعدا الزاوية، وهما تفضيل المجموعات المتحادثة عند سومر (1965).
تفاوض يُراد له أن ينتهي باتفاق. المقاعد المتقابلة هي تفضيل المتنافسين عند سومر (1965)، فليُفكَّر فيها مرتين.
تبادل أسبوعي بين فريقين. محطات عمل متقاربة: في بيئات البحث والتطوير يتراجع احتمال التواصل الأسبوعي مع المسافة، بمعدّل يراه ألن نفسه مفاجئاً (1977).
معنى مصرَّح به. في قصر الوطن تحمل القاعة اسم علاقة، «روح التعاون»، وموقع القصر هو من يقول إنها ترمز إلى المساواة. أما القياس ففي الأسطر السابقة.
في كولونيا، المخطط قبل القطعة
سأمشي في ORGATEC كما يُقرأ مخطط مقر قبل أن يُطلب أثاثه: أين سيجلس الضيف، وكم خطوة ستفصل الذين يحتاجون إلى الحديث بعضهم عن بعض. والفائدة لمن سيعمل في هذه الغرف كل يوم ملموسة وبسيطة: ضيف يجلس على المسافة التي تناسب الحديث الذي جاء من أجله، وزميلان يصل أحدهما إلى الآخر بخطوات قليلة. ومن قرأ ما كتبته قبل أسبوعين عن المكاتب التنفيذية في الخليج يجد هنا نصفه الآخر: الكرسي الذي يقابلها.
قاعة أبوظبي سُمّيت باسم علاقة. كل غرفة أخرى تحمل اسماً مثله، وإن لم يكتبه أحد، ومن يختار أثاثها هو من يكتبه.
إجابات سريعة
متى وأين يقام ORGATEC 2026؟ في كولونيا، من 27 إلى 30 أكتوبر 2026، تحت شعار «From rooms to relationships: designing spaces in an ever-changing world».
ما قاعة «روح التعاون» في قصر الوطن؟ صالة واسعة مستديرة في قصر الوطن بأبوظبي، فُتحت للجمهور عام 2019. يذكر موقع القصر أنها المكان الذي تجتمع فيه هيئات اتحادية وإقليمية، وأنها «ترمز إلى التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بالمساواة وحركة التنوير».
على أي مسافة يجلس الضيف أمام طاولة المكتب؟ بحسب إدوارد ت. هول في The Hidden Dimension (1966)، يقع الكرسي المقابل لطاولة مكتب بمقاس قياسي على بعد ثمانية أقدام أو تسعة ممن يجلس خلفها، أي بين 2.4 و2.7 متر، وهي مسافة يكتسب فيها الحديث طابعاً أكثر رسمية.
كيف يفضّل الناس الجلوس حول طاولة الاجتماعات؟ في استبيانات روبرت سومر المنشورة في Sociometry عام 1965، فضّلت المجموعات المتعاونة الجلوس جنباً إلى جنب، والمتحادثة مقاعد الزاوية، والمتنافسة المقاعد المتقابلة. هي تفضيلات، لا نتائج اجتماعات.
هل تؤثر المسافة بين محطات العمل في التواصل؟ في مؤسسات البحث والتطوير التي درسها توماس ج. ألن (Managing the Flow of Technology، 1977)، يتراجع احتمال أن يتواصل شخصان كل أسبوع كلما ابتعدت مواقع عملهما، بمعدّل يصفه ألن نفسه بالمفاجئ.